محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
303
الآداب الشرعية والمنح المرعية
إعلائهم على المسلمين خلاف ما أمر الله ورسوله ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يبدأوا بالسلام وأمر إذا لقيهم المسلمون أن يضطروهم إلى أضيق الطرق ، وقال : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، وقد منعوا من تعلية بنائهم على المسلمين فكيف إذا كانوا ولاة على المسلمين فيما يقبض منهم ويصرف إليهم وفيما يؤمرون به من الأمور المالية ويقبل خبرهم في ذلك فيكونون هم الآمرين الشاهدين عليهم ؟ هذا من أعظم ما يكون من مخالفة أمر الله ورسوله ، وقد قدم أبو موسى على عمر رضي الله عنه بحساب العراق فقال : ادع يقرؤه فقال : إنه لا يدخل المسجد فقال : لم ؟ قال : لأنه نصراني ، فضربه عمر بالدواة فلو أصابته لأوجعته وقال : لا تعزوهم إذ أذلهم الله ولا تصدقوهم إذ كذبهم الله ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، وكتب إليه خالد بن الوليد إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به ، فكتب إليه لا تستعمله ، فأعاد عليه السؤال وإنا محتاجون إليه ، فكتب إليه مات النصراني والسلام ، يعني قدر موته ، فمن ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه ، إلى أن قال : وقد يشيرون عليهم بالرأي التي يظنون أنها مصلحة ويكون فيها من فساد دينهم ودنياهم ما لا يعلمه إلا الله وهو يتدين بخذلان الجند وغشهم يرى أنهم ظالمون ، وأن الأرض مستحقة للنصارى ويتمنى أن يتملكها النصارى . وقال أيضا : كان صلاح الدين وأهل بيته يذلون النصارى ولم يكونوا يستعملون منهم أحدا . ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد ، وإنما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل حتى قام بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين وحدثت حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله به ورسوله فإن الله تعالى يقول : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [ سورة الحج : الآية 40 ] . إلى أن قال : وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم بل مصلحة دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بما في بلاد المسلمين والمسلمون ولله الحمد مستغنون عنهم في دينهم ودنياهم ، ففي ذمة المسلمين من علماء النصارى ورهبانهم من يحتاج إليهم أولئك النصارى وليس عند النصارى مسلم يحتاج إليه المسلمون مع أن افتداء الإسراء من أعظم الواجبات وكل مسلم يعلم أنهم لا يتجرون إلى بلاد المسلمين إلا لأغراضهم لا لنفع المسلمين ، ولو منعهم ملوكهم من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة فإنهم أرغب الناس في المال ولهذا يتقامرون في الكنائس وهم طوائف كل طائفة تضاد الأخرى ولا يشير على ولي الأمر بما فيه إظهار شعارهم في دار الإسلام أو تقوية أيديهم بوجه من الوجوه إلا رجل منافق أو له غرض فاسد أو في غاية الجهل لا يعرف السياسة الشرعية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه وأعداء الدين . وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل كيف مكنهم الله وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا من ذلك بما قاموا وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذله وكبته إلى أن قال : وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم